أبيدوس الموقع المصري الشامل للفولكلور الحكايات الشعبية    ::    السير الشعبية    ::    الغناء الشعبي   ::    الأمثال الشعبية    ::    الألعاب الشعبية           الباحثون  والرواة

       الصفحة الرئيسية         الثقافة المادية       الغناء الشعبي          التاريخ الشفهي للبلدان        العادات والتقاليد       المعتقدات الشعبية    الرواة والباحثون

 فعاليات المؤتمر الثالث للمأثورات الشعبية بالقاهرة

أحدث دراسة:

المـأثـورات الشعبيـة والتنميـة الاجتمـاعيـة:
"الصناعات الحرفية العُمانية (نموذجا)".

 

أحدث مؤتمر:

المؤتمر الثالث للمأثورات الشعبية  بالقاهرة  من 27-30 نوفمبر 2006م

المجلس الأعلى للثقافة

 

العودة للأدب الشعبي

أحمد محمد عبد الرحيم

تفاصيل

أحمد محمد عبد الرحيم

 

 

التَلَّى

فى جزيرة شندويل

تجربة فى التنمية الاجتماعية والاقتصادية

 

         منذ أكثر من ستين عاما، كان لتسويق التَلَّى فى مركز أخميم شهرة واسعة ... تذكرت ذلك حينما شاركت وساهمت فى الكشف عن التَلَّى فى أسيوط وسوهاج ... كان ذلك فى سنة 2003 حينما سافر فريق عمل من باحثى الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية برئاسة رئيس الجمعية الأستاذ الدكتور أحمد مرسى .

         ساقنى هذا العمل إلى التذكر منذ ستين عامًا حينما كانت أمى تطلب من أبى أن يشترى لها من أخميم قماش وخيوط التَلّى لتطرز لنفسها طرحة، ولم أعرف كيف تعلمت التطريز، ولم أعرف – أيضاً – كيف أتت بإبرة التطريز ... وإنما الذى أتذكره أنها كانت تجلس بالساعة وهى ترسم بخيوط التَلَّى مثلثات على جانبى الطرحة .

         وكان فى القرية سوق كل يوم أربعاء، ولأنه سوق صغير يناسب القرية وكل قرية، كان يطلق عليه " سويقة " تصغيرًا للسوق الذى كان فى نفس الوقت والتوقيت فى مركز أخميم يوجد السوق الكبير ... يأتى إليه من كل قرى المركز، يبيعون، ويشترون ويتسوقون، ومما يتسوقونه كان طرح التَلَّى التى ترتديها النساء والفتيات فى مناسبات الأفراح تحديدًا، ثم بقية المناسبات السعيدة الأخرى

         وفى سوق قريتنا، أو السويقة، كان تاجر قماش يأتى من أخميم، يحمل بضاعته على حمــار، ويفرش بها فى مكان مخصص له كل أسبوع من هذه البضاعة كانت أيضًا طرح التَلَّى .

         ثم مرت السنوات بى، ونسيت قماشًا اسمه التٌلى، ونسيت خيوطًا أسمها التٌلى، حتى كان البحث والاكتشاف له .

         فمن خلال المادة العلمية التى جمعناها عن التٌلى، عرفت كيف كانت أسيوط الركيزة الأولى فى انتشار التٌلى .

         انتشرت صناعة التلى بين أهالى أسيوط فى القرن التاسع عشر، وكان إنتاج التٌلى يستخدم محليًا ليزين ملابس القرويات على اختلافهن، وكذلك ملابس الأرستقراطية والأجانب المارين بأسيوط

         وفى بداية القرن العشرين كان الُتلى منتشرًا بين الأرستقراطية كفساتين للسهرة، فى نفس الوقت احتفظت الموثيفات التقليدية المتوارثة وهى رسومات من البيئة والحياة الشعبية .

         ثم دخل التٌلى فى حالة اندثار حينما بعدت الطبقة الفنية أو الأرستقراطية عن شرائه، وقد يكون هناك عدة أسباب جعلت مهنة التُلى تسير فى طريق عكس نحو الاندثار، ويرجع ذلك – فى رأيى – إلى ارتداء الغوازى له جعل هذه الطبقة تبعد عنه ... فليس معقولاً أن تتساوى الرؤوس.

         ونُسى التُلى، أو تناسى على الأقل، ولم يعد له ذكرى، فقد ظهر التجديد والتحديث من الملبوسات الإفرنجية، مما عكس ذلك على جعل الُتلى فى اندثار كلى .

         ولأن التُلى فن وإبداع المرأة، يصعب عليه أن يذهب إدراج الرياح، فقد سافرت سائحة إنجليزية إلى أسيوط، ومعها صورة لقطعة من التٌلى من متحف بانجلترا، وعن طريق هذه السائحة الإنجليزية كان بداية إنفتاح جديد لبعث روح جديدة لظهور التُلى على يد بنات تعلمن فنون التطريز على يد عجوزين، إحداهما فى أسيوط، والأخرى فى سوهاج، وبالتحديد فى قرية صغيرة هى جزيرة شندويل .. فى محافظة سوهاج، تقع فى طريق سوهاج – أسيوط على بعد اثنى عشر كيلومتر من مدينة سوهاج، أغلب مبانيها على طول الطريق ..

         وإذا كانت السائحة الإنجليزية التى أتت إلى أسيوط تبحث عن التُلى الذى اندثر، فقد ألهمت فنانًا تشكيليًا الاهتمام بهذا الفن، فراح يبحث عنه فى مدينة أسيوط حتى عثر على سيدة عجوز مازالت تملك ثوبًا من التُلى ومازالت هى أيضًا تملك الالمام بتطريز التٌلى .

         استطاع سعد زغلول – هذا الفنان التشكيلى – أن يعلم عن طريق هذه العجوز العديد من الفتيات الباحثات عن العمل .. ويجلب لهن قماش وخيوط التُلى من القاهرة، أستطاع أن يقدم إنتاج البنات أكثر من معرض لاقى قبولاً حسناً .. ولأنه أحب هذا العمل فقد أسس بيت التٌلى فى مدينة أسيوط، تعمل فيه العديد من الفتيات فى إنتاج التُلى .

         كان ذلك فى سنة 1990، فى نفس هذه السنة أتت إلى جزيرة شندويل باحثة مصرية تبحث عن سيدة مازالت تعرف فن التُلى بهدف إحيائه، فعثرت على سيدة عجوز اسمها " أم علية" وهى فى السبعين من عمرها عن طريقها دربت عشر فتيات من خريجات المعاهد الفنية .

         والعشر فتيات التى تم تدريبهن على يد أم علية، دربت كل واحدة منهن عشر فتيات، وفى فترة قصيرة كان فى كل بيت فتاة تعمل فى فن التُلى .

         وكانت الباحثة تأخذ إنتاج الفتيات، وتقيم حفلات تدعو إليه الكثير من الأجانب والزوار، وفى هذه الحفلات كانت تبيع كل إنتاج الفتيات بالسعر التى تحدده .

         وبعد سفر الباحثة، وبعد أن تركت لبنات الجزيرة خبرة قليلة فى التسويق، لم يستسلمن، لقد أصبح التُلى مصدر رزق لهن، ولم يسمح لهن بالسفر إلى القاهرة .. تصدرت فتاتان للسفر من أجل التسويق، ومن أجل شراء القماش والخيوط .. ولم يكن ذلك خروجًا عن تقاليد القرية، وإنما كان للفتاتين أقارب وأهل وصلة دم .. أتيح لهما السفر بحرية والمبيت عند الأهل والأقارب .. وبدأت الرائدة إيمان، والرائدة بياضة، ومعهما رائدات أخريات ممن اكتسبن الخبرة، فى تكوين مجموعات من الفتيات الجدد لتدريبهن، وتشغيلهن، وتسويق إنتاجهن فى القاهرة خاصة فى الموسكى والحسين وغيرهما من الأماكن التى، عرفاها من الباحثة المصرية، وقد تعرفت الرائدة بياضة على الكثير من سيدات القوم تبيع لهن إنتاجها، ومازالت بياضة كأنشط البنات فى التوزيع.

         أما الرائدة إيمان فقد فتحت – كما قالت لى – محلاً لعرض إنتاجها وإنتاج البنات، وذلك بالقرب من مقهى فى المقطم يمتلكها أخ لها، يسكن بجوارها والهدف من المحل هو عرض هذا الإنتاج، وعن طريقة تسويقه فى الأماكن المعروفة لديها .. وتعريف زبائنها به .

         إن الحديث عن جزيرة شندويل بصفتها قرية التٌلى الأولى فى مصر التى فاقت أسيوط أيام مجدها، حديث لا ينتهى، وتجربة رائدة خاضتها الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية، على يد باحثين منها .. عن طريقهم اكتشفوا ما كان مجهولاً، اكتشفوا كنزًا يتمثل فى إنتاج وإبداع المرأة فى التُلى فى جزيرة شندويل ..

         وفى خطة لتنمية التُلى أوصت الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية فى كتابها " مشروع توثيق وتنمية فن التٌلى " التى احتوت على عشر توصيات، نذكر جزءًا من التوصية السابعة، لعل ذلك يذكرنا الاهتمام الصادق بهذا الفن وهذا الابداع .. اباع المرأة ... تقول الوصية : -

         " الاهتمام بتجربة قرية جزيرة شندويل فى محافظة سوهاج، ومحاولة تكرارها فى قرى أخرى، حيث تنبع من القرية سيدات لهن القدرة على إدارة أعمال على مستوى القرية من حيث تجميع المشتغلات، وتوزيع الأعمال وتصريف المنتج ... إن اكتشاف قيادات نسائية محلية معيار حقيقى لتنمية المرأة الريفية من حيث إحساسها بقدرتها على تحمل المسؤولية الكاملة عما تفعل ..."

         وأخيرًا، هذه الجزيرة أو " قرية التُلى " أصبحت تحمل لواء هذا الفن .. من إبداع المرأة، وتجعل منه مشروعًا تنمويًا كمأثور شعبى أصيل، أصبح أيضًا بفضل هذه الجزيرة، حاضرًا له تاريخ "